أحمد بن علي القلقشندي

335

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فنهض الرابع لاستقبالها ، ورماها عن فلك سعده بنجم وبالها ؛ فجدّت في العلوّ مبتذّة ( 1 ) ، وتطاردت أمام بندقه ولولا طراد الصّيد لم تك لذّة ؛ وانقضّ عليها من يده شهاب حتفها ، وأدركها الأجل لخفّة طيرانها من خلفها ، فوقعت من الأفق في كفّه ، ونفر ما في بقايا صفّها عن صفّه . وأتت في إثرها أنيسة آنسة ( 2 ) ، كأنّها العذراء العانسة ، أو الأدماء ( 3 ) الكانسة ، عليها خفر الأبكار ، وخفّة ذوات الأوكار ، وحلاوة المعاني التي تجلى على الأفكار ، ولها أنس الرّبيب ، وإدلال الحبيب ، وتلفّت الزائر المريب من خوف الرّقيب ؛ ذات عنق كالإبريق ، أو الغصن الوريق ، قد جمع صفرة البهار إلى حمرة الشّقيق ، وصدر بهيّ الملبوس ، شهيّ إلى النفوس ، كأنّما رقم فيه النهار باللَّيل أو نقش فيه العاج بالآبنوس ، وجناح ينجيها من العطب ، يحكي لونها المندل الرّطب لولا أنه حطب : مدبّجة الصّدر تفويفه أضاف إلى اللَّيل ضوء النهار لها عنق خاله من رآه شقائق قد سيّجت بالبهار ! فوثب الخامس منها إلى الغنيمة ، ونظم في سلك رميه تلك الدّرّة اليتيمة ، وحصل بتحصيلها بين الرّماة على الرّتبة الجسيمة . وأتى على صوتها حبرج تسبق همّته جناحه ، ويغلب خفق قوادمه صياحه ؛ مدبّج المطا ، كأنّما خلع حلَّة منكبيه على القطا ؛ ينظر من لهب ، ويخطو على رجلين من ذهب : يزور الرّياض ، ويجفو الحياض ويشبه في اللَّون كدر القطا

--> ( 1 ) في حسن التوسل : « مغذّة » . ( 2 ) لعله من قولهم : تأنّس البازيّ ، أي جلس بطرفه . والبازيّ يتأنس ( لسان العرب : مادة « أنس » ) . ( 3 ) أدم أدما : اشتدت سمرته ، فهو آدم وهي أدماء . وفي حسن التوسّل : « الإماء » وهي أوضح .